الشريف المرتضى
6
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ورابعها : أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفّار لا إلى الرسل ؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم وإنذارهم وضعوا أيدي أنفسهم على أفواههم ؛ مشيرين إليهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام والإمساك عنه ؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكت غيره ، ومنعه عن الكلام ، من وضع إصبعه على في نفسه . وخامسها : أن يكون المعنى : فردّوا القول بأيدي أنفسهم إلى أفواه الرّسل ، أي أنّهم كذّبوهم ، ولم يصغوا إلى أقوالهم ، فالهاء الأولى للقوم ، والثانية للرسل ؛ والأيدي إنّما ذكرت مثلا وتأكيدا ؛ كما يقول القائل : أهلك فلان نفسه بيده ، أي وقع الهلاك به من جهته ، لا من جهة غيره . وسادسها : أنّ المراد بالأيدي النعم و « في » محمولة على الباء ، والهاء الثانية للقوم المكذّبين والتي قبلها للرّسل ، والتقدير : فردّوا بأفواههم نعم الرّسل ؛ أي ردّوا وعظهم وإنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الذي لو قبلوه لكان نعما عليهم . ويجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الأيدي للقوم الكفّار ، لأنّها نعم من اللّه تعالى عليهم ، فيجوز إضافتها إليهم وحمل لفظة « في » على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض ؛ يقولون : رضيت عنك ، ورضيت عليك وحكي في لغة طيء : أدخلك اللّه بالجنة ، يريدون في الجنة ، فيعبّرون بالباء عن معنى « في » كذلك أيضا يصحّ أن يعبّروا بفي عن الباء ؛ قال الشاعر : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنّني عن سنبس لست أرغب أراد : وأرغب بها فحمل « في » علي الباء . وسابعها : وهو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر ، وزعم أنّه أولى من غيره - قال : المضمرون في قوله : أَيْدِيَهُمْ الرسل ، وكذلك المضمرون في « أفواههم » ، والمراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج والبيّنات التي ذكر اللّه تعالى أنّهم جاؤوا بها قومهم ؛ واليد في كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا ، وعلى الملك ، وعلى العهد والعقد ؛ ولكلّ ذلك شاهد من كلامهم ؛ والذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجّة والسلطان ، وهو النعمة ، وهو